يتحمل الصبار الظروف البيئية القاسية وباستطاعته النمو بالأرض المجدبة حين تتعذر على غيره الحياة، وهو نبات قاسي المنظر ومؤذٍ، إلا أنه ينفرد بمركبات لها فوائد طبية، كما يدخل فى صناعة مستحضرات التجميل. وعلى بعد 100 كلم شمال بغداد، ونفس المسافة عن الحدود الإيرانية الغربية يختلط نبات الصبار مع صبار بشري قاسي المنظر والملمس مؤذٍ لمن يحاول اقتلاعه.
ففي معسكر أشرف يتمركز جيش التحرير الوطني الإيراني، الذراع المسلح لمنظمة مجاهدي خلق، أكبر وأنشط حركة معارضة إيرانية، وقد مر على تأسيس المنظمة على أيدي مثقفين وأكاديميين 48 عاماً، حاربت خلالها الشاه 13 عاماً وحاربت الجمهورية الإسلامية 35 عاماً أخرى، وقد أظهرت المنظمة قدرة على البقاء رغم قسوة الظروف التي زادت من صلابتهم وتماسك صفوفهم رغم تكفيرهم وإعدام قادتهم.
وكما تمتص شجرة الصبار الماء من الهواء أكثر مما تمتصه من الأرض؛ امتص مجاهدو خلق قوتهم من مصادر غير تقليدية، ففي سجلهم تكبيد نظام طهران أكبر خسارة في تاريخه، حيث فجروا مقر الحزب الجمهوري الإسلامي عام 1980م، فلقي 80% من أتباع ورجال الإمام الخميني الكبار حتفهم، وعلى رأسهم آية الله بهشتي. ثم ارتموا في حضن عدو إيران التاريخي حين جعلوا من أنفسهم فصيلاً في جيش صدام حسين طوال حربه ضد إيران.
ولدى هذا الصبار الإيراني مرونة إيدلوجية عجيبة؛ فهم حركة وتنظيم علماني يعلو شعارهم الآية الكريمة (فضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً)، وهم طائفة دينية تؤمن بحق المرأة في قيادة التنظيم الذي يطلب من أعضائه طلاق زوجاتهم، فالحب والزواج وحب الأبناء يشتت انتباهم ويبعدهم عن جهادهم ضد طهران. وبدون أبناء أو زوجات، رغم أن نصف المعسكر من النساء، تعقد جلسات للاعتراف الجماعي بأحلامهم وتخيلاتهم.
ورغم أنه ليس متوافقاً مع المزاج الخليجي المعتاد أن يتجاسر على طهران بتحريك بيادقه بينما تتحرك هي كالملكة؛ فإننا مازلنا نتساءل؛ لماذا لم يَنْقَدْ صانع القرار السياسي الخليجي للانتهازية كطبيعة بشرية وليعتبرها أحد تعاريف الاستراتيجية ذات المفاهيم المعقدة؛ ولماذا لم يقم ببناء مشتل صبار لمجاهدي خلق التي تحاول بغداد بضيق أفق التخلص منهم إرضاءً لطهران؟ وكما تستخدم طهران «الملفات» في تحريك الأمور لصالحها في الكويت تجسساً، والقطيف والبحرين تحريضاً، وأبو موسى احتلالاً، بإمكاننا تحريك الصبار الإيراني لوخز طهران في خاصرتها كلما تحركت. وتحريك الملفات هذه إجراء قديم قدم العلاقات الدولية نفسها، فلعله يرقى بالدبلوماسية الخليجية المثالية أحادية الأبعاد، مع الأخذ بعين الاعتبار الأمور التالية:
- الاستثمار في مجاهدي خلق واعد بحكم صلابة جعلتهم المناوئ الأقوى لطهران، فبالرغم من جميع الأعمال التي قامت بها طهران فإنها عجزت عن القضاء على المجاهدين منذ 32 عاماً. وإذا كان لديهم أعداء ألداء فلديهم أيضاً أصدقاء متحمسون. وقابلية وصولهم للسلطة عالية، والفرصة متاحة لهم أكثر من غيرهم.
- مازالت الأمم المتحدة تعمل على نقل عناصر المنظمة البالغ عددهم أكثر من ثلاثة آلاف إلى بلد غير العراق، وليس علينا بالضرورة توطينهم في دولة خليجية. فأمام الخليجيين فرصة ممارسة نوع من الضغط أو الإغراء لإبقائهم في العراق من باب احترام اتفاقيات الأمم المتحدة للأغراض الإنسانية، فقد يتغير نظام المالكي أو تتغير قراءته قصيرة النظر للأمور بحكم أن مجاهدي خلق كالمساجين لديه وليسوا تهديداً للعراق.
كما يمكن نقلهم لسوريا؛ ففصائل من المنظمة تقاتل ضد الأسد وحزب الله رغم الدعوات غير الجادة لإخراج المقاتلين الأجانب.
- في قرار أحمق جُرّد مجاهدي خلق من أسلحتهم بعد الغزو الأميركي للعراق 2013م، وتتولى مريم رجوي مسؤولية الإشراف على «نقل السلطة بشكل سلمي إلى الشعب الإيراني بعد سقوط النظام الحالي» حسب تعبير المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، وهو الجناح السياسي للمنظمة، ويمكن دعم هذا الجهد السياسي خليجياً بافتتاح مكتب لهم وتشجيعهم على إقامة حكومة منفى، خصوصاً أن الجنوح للعمل السياسي جعل الأوروبيين يسقطون عنهم تهمة الإرهاب.
لقد كانت المذبحة التي جرت قبل شهر في سبتمبر 2013 ضد مجاهدي خلق وقتل 44 من عناصرها على يد فصائل عراقية تأتمر بأوامر طهران عملية ذات أهداف عدة، أهمها إحراق الحل الموضوعي والمتاح الوحيد لتوفير الأمن لمنتسبي المنظمة والقاضي بنقلهم من معسكر أشرف قرب الحدود الإيرانية وتوزيعهم في معسكرات بعيدة عن الحدود قبل نقلهم للخارج. وفي ذلك مؤشر على ثقل وزن هذه المعارضة التي جعلت طهران تحاول إفناء هذا الصبار قبل نقله لأرض أخرى. فإذا كان لصبار مجاهدي خلق قدارت علاجية وتجميلية فلماذا لا نعالج أو نجمل به وجه جارتنا العزيزة طهران، فقد جربنا كل شيء!